فصل: باب: ما عاب النبى عليه السلام طعامًا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


كتاب الأطعمة

وقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا من طيبات مارزقناكم ‏(‏وقوله ‏(‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم ‏(‏وقوله‏:‏ ‏(‏كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا ‏(‏ - فيه‏:‏ أَبُو مُوسَى، قَالَ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏أَطْعِمُوا الْجَائِعَ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ ‏(‏مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ‏)‏‏.‏

- وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ أَصَابَنِى جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَدَخَلَ دَارَهُ، وَفَتَحَهَا عَلَى فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِى مِنَ الْجَهْدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ عَلَى رَأْسِى، قَالَ‏:‏ ‏(‏يَا أَبَا هُرَيْرَةَ‏)‏، فَقُلْتُ‏:‏ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، فَأَخَذَ بِيَدِى فَأَقَامَنِى وَعَرَفَ الَّذِى بِى، فَانْطَلَقَ بِى إِلَى رَحْلِهِ، فَأَمَرَ لِى بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏عُدْ يَا أَبَا هُرَيَرْةَ‏)‏، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏عُدْ‏)‏، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ، حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِى، فَصَارَ كَالْقِدْحِ، قَالَ‏:‏ فَلَقِيتُ عُمَرَ، وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِى، وَقُلْتُ لَهُ‏:‏ فَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ، وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ، وَلأنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ، قَالَ عُمَرُ‏:‏ وَاللَّهِ لأنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وقع فى النسخ كلها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا من طيبات ماكسبتم‏)‏، وهو وهم من الكاتب وصواب الآيه ماذكره الله تعالى فى سورة البقرة‏:‏ ‏(‏ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض‏)‏ واختلف أهل التأويل فى معى الآية على قولين، فقالت طائفة‏:‏ المراد بالطيبات الحلال‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ المراد بها جيد الطعام وطيبه، وقال البراء بن عازب‏:‏ كانوا يتصدقون بأردأ ثمرهم وطعامهم فنزلت الاية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ‏(‏تأويلها كتأويل الآية المتقدمة ولم يختلف أهل التأويل فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل الله لكم ‏(‏أنها نزلت فيمن خرم على نفسه لذيذ الطعام واللذات المباحة، قال عكرمة‏:‏ إنها نزلت فى عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم والخصاء وأرادوا التخلى من الدنيا والترهب، منهم على بن أبى طالب وعثمان ابن مظعون، وقد تقدم فى كتاب النكاح فى باب مايكره من التبتل والخصاء، وفى حديث أبى موسى الأمر بالمواساة وإطعام الجائع وذلك من فروض الكفاية قال الداودى‏:‏ إلا أن يحتاج الرجل ولايجد مايقيمه يأخذ ذلك منه كرهًا وأن يختفى به إن لم يقدر عليه إلا بذلك، ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئًا موضوعًا كان حقًا على المسئول أن يقبله منه، وإن لم يجد شيئًا حاضرًا وعلم المسئول أن ليس له شىء يقيمه وجب عليه أن يغنيه وإن لم يعلم حاله فليقل له قولا سديدًا، وقد تقدم فى باب فكاك الأسير في الجهاد‏.‏

وفي حديث أبي هريرة إباحة الشبع عند الجوع لقوله‏:‏ ‏(‏فشربت حتى استوى بطنى فصار كالقدح‏)‏ يعنى كالسهم يعنى فى استوائه؛ لأنه لما روى من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم لأنه كان بالجوع ملتصقًا منثنيًا‏.‏

وفيه‏:‏ ماكان السلف عليه من الصبر من التقلل وشظف العيش والرضا ياليسير من الدنيا، ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم إلا سد عمر جوعته فقط فلما سقاه النبى حتى روى أقنعه ذلك ولم يطلب سواه، ودل ذلك على إيثارهم للبلغة من الدنيا وطلبهم للكفاية، ألا ترى قول أبى هريرة‏:‏ ‏(‏ما شبع آل محمد من طعام ثلاثًا حتى قبض‏)‏ وسيأتى معنى هذا الحديث والآحاديث المعارضة له فى باب ماكان النبى عليه السلام وأصحابه يأكلون، إن شاء الله‏.‏

وفيه‏:‏ سد الرجل خله أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك‏.‏

وفيه أنه كان من عادتهم إذا استقر أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى بيته ويطعمه ماتيسر عنده، والله أعلم لم لم يحمل عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة ألشغل كان به أو لأنه لم يتيسر له حيئذ مايطعمه‏.‏

وقد روى عن أبى هريرة أنه قال‏:‏ والله مااستقرأت عمر الآية، وأنا أقأ بها منه إلا طعمًا فى أن يذهب بى ويطعمنى‏.‏

وفيه‏:‏ الحرص على أفعال البر لتأسف عمر على مافاته من حمل أبى هريرة إلى بيته وإطعامة؛ إذ كان محتاجًا إلى الأكل، وأن ذلك كان أحب اليه من حمر النعم‏.‏

باب التسمية على الطعام

- فيه‏:‏ عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ، يَقُولُ‏:‏ كُنْتُ غُلامًا فِى حَجْرِ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِى الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يَا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ‏)‏، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى بَعْدُ‏.‏

وترجم له باب‏:‏ الأكل ممايليه، قال أنس‏:‏ قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وليأكل كل رجل مما يليه‏)‏ وقال عمر بن أبى سلمه‏:‏ ‏(‏كنت آكل يومًا مع النبى عليه السلام من نواحى الصحفة‏)‏‏.‏

التسمية على الطعام سنة مؤكدة؛ لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏يا غلام، سم الله، فإن نسى أن يسمى الله فى أول طعامه فليسم الله فى آخره- أو متى ذكر- وليقل‏:‏ بسم الله أولا وآخر‏)‏، وروى ذلك فى الحديث‏.‏

وفيه أن الأكل ممايليه من أدب الطعام إلا أن يكون الطعام ألوانًا مختلفة فلا بأس من أيها شاء؛ لقول النبى عليه السلام لعكراش لما أتو بطبق من تمر أو رطب‏:‏ ‏(‏كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون واحد‏)‏ ذكره ابن المنذر فى كتاب الأطعمة وذكره الترمذيفى مصنفه وقال‏:‏ لايعرف لعكراش عن النبى عليه السلام غير هذا الحديث‏.‏

وفيه أن السنة الأكل ياليمين، وقد نهى عليه السلام أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وقال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان يفعل ذلك‏)‏، ورواه مالك، وعبيد الله، وابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام ولم يخرجه البخارى؛ لأنه قد رواه معمر وعقيل عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر ورواية مالك أصح، قال الترمذي‏.‏

وذكره الطبري من حديث ابن عمر عن أبيه عن النبى عليه السلام فالله أعلم لم لم يخرجه البخارى‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فى هذا الحديث لايجوز الأكل والشرب باليد اليسرى إلا لمن كانت بيمين عله مانعة من استعمالها ومثله الأخذ والإعطاء بها والرفع والوضع والبطش‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ ‏(‏شهدت عليًا شوررا له كبد أضحية فأخذ رغيفًا بيده والكبد بالأخرى فأكل‏)‏ قلنا‏:‏ هذا غير دافع حقيقة ما قلناه، وذلك أن هذا الخبر إنما يدل أنه استعمل اليسرى فى وقت شغل اليمنى بالطعام، وإذا كانت كذلك فصاحبها معذور فى إعماله الأخرى فيما هو محظور عليه إعمالها فيه فى غير حال العذر كما لو كانت مقطوعة لكان له استعمال اليسرى فى مطعمه ومشربه، وماكان محظورًا عليه استعمالها فيه، وبنحو ماقلناه جاء الخبر عن عمر حدثنا سوار بن عبد الله، أخربنا يحى بن سعيد، عنعمارة بن مطرف، حدثنى يزيد بن أبى مريم، عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏رأى عمر رجلا قد صوب يده اليسرى ليأكل بها، فقال‏:‏ لا إلا أن تكون يدك معتلة‏)‏ فرأى عمر أن لمن كانت يده معتلة أن يأكل بيسراه مثل ما لو كانت يمناه بائنة‏.‏

فإن قيل‏:‏ فهل روى عن أحد من السلف كراهية الأخذ والإعطاء باليسرى‏؟‏ قيل‏:‏ روى ذلك نافع مولى ابن عمر، وعن عطاء قالا لاتأكل بشمالك ولاتصدق بها‏.‏

قال المؤلف‏:‏ روى ابن وهب، عن عمر بن محمد بن زيد قال‏:‏ كان نافع يزيد فيها‏:‏ ‏(‏ولا تأخذن بها ولاتعطين- يعني‏:‏ الشمال‏)‏‏.‏

روى ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن هشام بن أبى عبد الله عن يحى بن أبى كثير، عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه ‏(‏أن رسول الله نهى أن يعطى الرجل بشماله شيئًا أو يأخذ شيئًا‏)‏‏.‏

باب‏:‏ من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية

فيه‏:‏ أنس‏:‏أن خياطاً دعا النبي عليه السلام لطعام صنعه، قال أنس‏:‏ فذهبت مع رسول الله ‏[‏فرأيته‏]‏ يتبع الدباء من حوَالَي القصعة فلم أزل أحب الدباء من يومئذ‏.‏

هذا الحديث يفسر قوله عليه السلام في حديث عمر بن أبي سلمة‏:‏كل مما يليك ويدل عل أن المراد بذلك إذا كان يأكل مع غير عياله ومن يتقذر جولان يده في الطعام، فأما إذا أكل مع أهله ومن لا مؤنة عليه منهم من خالص إخوانه فلا بأس أن تجول يده في الطعام استدلالا بهذا الحديث، وإنما جالت يده عليه السلام في الطعام؛ لأنه علم أن أحداً لا يتكره ذلك ولا يتقززه منه؛ بل كل مؤمن ينبغي له أن يتبرك بريقه وما مسَّه بيده، ألا ترى أنهم كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها، فكذلك من لم تتقزز مؤاكلته ‏[‏له‏]‏ أن تجول يده في الصفحة، والله أعلم‏.‏

وقول أنس‏:‏فلم أزل أحب الدباء من يومئذ فيه الحرص على التشبه بالصالحين والاقتداء بأهل الخير في مطاعمهم، واقتفاء آثارهم في جميع أحوالهم تبركاً بذلك‏.‏

باب‏:‏ التيمن في الأكل وغيره

فيه‏:‏ عائشة‏:‏ كان النبي عليه السلام يحب التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وكان قال بواسط قبل هذا‏:‏في شأنه كله‏.‏

معنى قول باب التيمن في الأكل وغيره يعني ‏[‏باليد‏]‏ اليمنى في جميع أفعاله، وكذلك في مناولة الأكل والشرب ومناولة سائر الأشياء من على اليمين وهو قول الفقهاء وقد تقدّم في كتاب الأشربة‏.‏

باب من أكل حتى شبع

- فيه‏:‏ أَنَس، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأمِّ سُلَيْمٍ‏:‏ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ‏؟‏ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِى، وَرَدَّتْنِى بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ‏:‏ فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام فِى الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ، لِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ‏؟‏ فَقُلْتُ‏:‏ نَعَمْ، قَالَ‏:‏ بِطَعَامٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ فَقُلْتُ‏:‏ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام لِمَنْ مَعَهُ‏:‏ قُومُوا، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ‏:‏ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتِ‏:‏ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ‏:‏ فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ عليه السلام حَتَّى دَخَلا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ هَلُمِّى يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ‏؟‏ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا، فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلا‏.‏

- وفيه‏:‏ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَ‏:‏ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ عليه السَّلام ثَلاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ‏)‏‏؟‏ قَلنا‏:‏ مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ- أَوْ نَحْوُهُ- فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ‏)‏‏؟‏- أَوْ قَالَ‏:‏ هِبَةٌ- قَالَ‏:‏ لا، بَلْ بَيْعٌ، قَالَ‏:‏ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ فَأَمَرَ النَّبِىّ عليه السلام بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ مَا فِى الثَّلاثِينَ وَمِائَةٍ، إِلا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا وَفَضَلَ فِى الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ- أَوْ كَمَا قَالَ-‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالت‏:‏ تُوُفِّي النَّبِي عليه السلام حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الأسْوَدَيْنِ الْمَاءِ وَالتَّمْرِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع فيه أن الأنبياء تزوى عنهم الدنيا حتى يدركهم الم الجوع ابتلاءًا واختبارًا‏)‏ وقد خير رسول الله بين أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًا ملكًا، فأختيار أن يكون نبيًا عبدًا، وعرضت عليه الدنيا فردها واختار ماعند الله لتتأسى به أمته فى ذلك ويمتثلون زهيده فى الدنيا‏.‏

وفيه سد الرجل خله إذا علم منه حاجة، نزلت به من حيث لا يسأله ذلك، وهذا من مكارم الأخلاق، وعليم النبى من أبى طلحة أنه يسره ميسرة مع أصحابه، ولذلك تلقاه أبو طلحة مسرورًا به وبأصحابه وليس العمل على هذا؛ من أجل أنه لايحتملة كل الناس ولذلك قال مالك‏:‏ أنه من دعى إلى طعام وليمة أو غيرها فلا ينبغى أن يحمل معه غيره إذ لايدرى هل يسر بذلك صاحب الوليمة أم لا، إلا أن يقال له‏:‏ ادع من لقيت، فمباح له ذلك حينئذ‏.‏

وفيه الخروج إلى الطريق للضيف والزائر إكرامًا له وبرًا به، وفى قوله‏:‏ ‏(‏لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع‏)‏ دليل على جواز الشهادة على الصوت‏.‏

وفيه أنه لا حرج على الصديق أن يأمر فى دار صديقه بما شاء مما يعلم أنه يسره به، ألا ترى أن اشترط عليهم أن يفتوا الخبز، وقال لأم سليم‏:‏ هات ماعندك‏.‏

وفيه بركة الثريد‏.‏

وفيه جواز الأكل حتى يشبع الإنسان وأن الشبع مباح، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبى بكر وحديث عائشة جواز الشبع أيضًا وإن كان ترك الشبع فى بعض الأحايين افضل وقد وردت فى ذلك آثار عن سلمان وأبى جحيفة أن النبى عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏إن أكثر الناس شبعًا فى الدنيا أطولهم جوعًا فى الآخرة‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ غير أن الشبع وإن كان مباحًا فإن له حدًا ينتهى إليه ومازاد على ذلك فهو سرف، فالمطلق منه ماأعان الآكل على طاعة ربه ولم يشغله ثقله عن أداء واجب عليه، وذلك دونما أثقل المعدة وثبط آكله عن خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل الخير، فالحق لله على عبده المؤمن أن لايتعدى فى مطعمه ومشربه ماسد الجوع وكسر الظمأ‏.‏

فإن تعدى فى ذلك إلى مافوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه لله كان قد أسرف فى مطعمه ومشربه، وبنحو هذا ورد الخبر عن النبي عليه السلام روى ابن وهب، عن ماضى بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من الماء القراح فعلى الدنيا الدمار‏)‏ وروى أبو داود عن حريثبن السائب قال‏:‏ حدثنا الحسن، حدثنا حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان قال‏:‏ قال رسول الله عليه السلام ‏(‏كل شىء فضل عن ظل بيت وجلف الخبز- يعنى‏:‏ كسر الخبز- وثوب يستره فضل ليس لابن آدم منه حق‏)‏ فأخبر عليه السلام أن لابن آدم من الطعام ماسد به كلب جوعه، ومن الماء ما قطع ظمأه، ومن اللباس ماستر عورته، ومن المساكن ماأظله وكنه من حر وقر، وأن لاحق له فيما عدا ذلك فالمتجاوز من ذلك ما حده رسول الله خاطب على نفسه، متحمل ثقل وباله، ولو لم يكتسب المقل من الأكل إلا التخفيف من بدنه من كظ المعدة ونتن التخمة لكان حريًا به تحرى ذلك لها طلب الترويح عنها، فكيف والإكثار منه الداء العضال، وبه كان يتعاير أهل الجاهلية والإسلام، وفى حديث أنس وعبد الرحمن ابن أبى بكر علامات النبوة؛ لأنه أكل من الطعام اليسير العدد الكثير حتى شبعوا ببركة النبي- عليه السلام‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏ليس على الأمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج‏}‏ الآية

والنهد والاجتماع فى الطعام - فيه‏:‏ سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ‏:‏ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ- قَالَ يَحْيَى وَهِى مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ- دَعَا رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام بِطَعَامٍ، فَمَا أُتِى إِلا بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا فَصَلَّى، بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ‏.‏

قَالَ سُفْيَانُ‏:‏ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا‏.‏

وترجم له باب السويق‏.‏

إن قال قائل‏:‏ مامعنى ذكره حديث سويد بن النعمان فى هذه الترجمة قال المهلب‏:‏ فالمعنى الجامع بينهما هو فأباح لهم الأكل مجتمعين ومفترقين من بيت ملكوا مفاتحة بائتمان أو قرابة أو صداقة وذلك أكل بغير مساواة‏.‏

وذكر الكبى فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا‏)‏ قال‏:‏ كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة لتقصير أصحاب هذه الآفات عن أكل الاصحاء، وكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم فنزلت هذه الآية رخصت لهم فى الأكل جميعًا‏.‏

وقال عطاء بن يزيد‏:‏ كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده فى غير موضعها، وكان الأعرج يتحرج ذلك لاتساعه فى موضع الأكل والمريض لرائحته فأباح الله تعالى لهم الأكل مع غيرهم، ومعنى الآية كمعنى حديث سويد بن النعمان سواء، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أملقوا فى السفر جعل أيديهم جميعًا فيما بقى من الأزواد سواء، ولايمكن أن يكون أكلهم بالسواد أصلا لاختلاف أحوالهم فى الأكل، وقد سوغهم النبي ذلك من الزيادة والنقصان فصار ذلك سنة فى الجماعات التى تدعى إلى الطعام فى النهد والولائم والإملاق فى السفر وماملكت مفاتحة بأمة أو قرابه أو صداقة، فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك، وقد تقدم تفسير النهد فى أول كتاب الشركة‏.‏

باب‏:‏ الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة

- فيه‏:‏ قَتَادَةَ، كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ، فَقَالَ‏:‏ مَا أَكَلَ النَّبِىُّ عليه السلام خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ تَعَالَى‏.‏

- وَقَالَ أَنَس مرة‏:‏ مَا عَلِمْتُ النَّبِى عليه السلام أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطُّ، وَلا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ، قِيلَ لِقَتَادَة‏:‏ فَعَلامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ عَلَى السُّفَرِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، قَامَ النَّبِى عليه السلام يَبْنِى بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِى عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأقِطُ وَالسَّمْنُ‏.‏

- وَقَالَ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ‏:‏ كَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُونَ‏:‏ يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ‏:‏ يَا بُنَىَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، هَلْ تَدْرِى مَا كَانَ النِّطَاقَانِ‏؟‏ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِى شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْتُ فِى سُفْرَتِهِ آخَرَ، قَالَ‏:‏ فَكَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ، يَقُولُ‏:‏ إِيهًا وَالإلَهِ ‏(‏تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا‏)‏‏.‏

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ- خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ- أَهْدَتْ إِلَى النَّبِى عليه السلام سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا، فَدَعَا بِهِنَّ، فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَتَرَكَهُنَّ النَّبِى عليه السلام كَالْمُسْتَقْذِرِ لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم وَلا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ أكل المرقق مباح ولم يجتنب النبى عليه السلام أكله إلا زهدًا فى الدنيا وتركًا للتنعيم وإيثارًا عند الله كما ترك كثيرًا مما كان مباحًا له وكذلك الأكل على الخوان مباح أيضًا، وليس نفى أنس أن النبى عليه السلام لم يأكل على خوان ولا أكل شاة مسموطة يرد قول من روى عن النبى عليه السلام أنه أكل على خوان وأنه أكل شواء، وإنما أخبر كل بما علم‏.‏

وهذا ابن عباس يقول فى الأضب أنهن أكلن على مائدة النبى، فأثبت له مائدة، وقد أنزل الله على قوم عيسى ابن مريم المائدة حين سألوه إياها، وأكل المرقق والشاة المسموطة داخل فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق‏)‏ فجميع الطيبات حلال أكلها إلا أن يتركها تارك زهدًا وتوضعًا وشحًا على طيباته فى الآخرة أن ينتقصها فى الدنيا كما فعل النبى عليه السلام وذلك مباح له‏.‏

وقول ابن الزبير‏:‏ ‏(‏فتلك شكاة ظاهر عنك عارها‏)‏ فهو قول أبى ذؤيب الهذلى‏:‏ وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها‏.‏

وقال ابن قتيبة‏:‏ لست أدرى أخذ ابن الزبير هذا من أبى ذؤيب أم ابتدأه هو، وهى كلمة مقولة‏.‏

والشكأة‏:‏ العيب والذم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ظاهر عنك عارها‏)‏ لاتعلق بك ولكنه ينبو عنك وهو من قولك‏:‏ ظهر فلان على السطح أى‏:‏ علا عليه، وقال ثعلب أى لا يلزمك عارها‏.‏

باب ما كان النبى صلى الله عليه وسلم يأكل شيئًا حتى يسمى له فيعلم ما هو

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- سَيْفُ اللَّهِ- دَخَلَ مَعَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَيْمُونَةَ- وَهِىَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ- فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ بِهِ إليه أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ‏:‏ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ‏)‏ مَا قَدَّمْتُم إِلَيه‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وذكر الحديث‏.‏

قال المؤلف‏:‏ كانت العرب لاتعاف شيئًا من المآكل لقلتها عندها فلذلك كان النبى يسأل عن الطعام قبل الأكل‏.‏

وفيه من الفقه أنه يجوز للإنسان تجنب مايعافه، ولم تجر بأكله عادته وإن كان حلالا ولاحرج عليه فى ذلك ولاإثم، وقد تقدمت أقوال العلماء فى أكل الضب فى كتاب الذبائح‏.‏

باب‏:‏ طعام الواحد يكفى الاثنين

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِى الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ كَافِى الأرْبَعَةِ‏)‏‏.‏

يريد أنه ما شبع اثنان يكفى ثلاثة رجال ومايشبع منه ثلاثة يكفى أربعة والكفاية ليست بالشبع والاستنباط كما أنها ليست بالغنى والإكثار،، ألا ترى قول أبى حازم‏:‏ ابن آدم إذا كان مايكفيك لايغنيك فليس شىء يغنيك‏.‏

وقد روى لفظ الترجمة عن النبى عليه السلام من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الزبير، عن جابر قال‏:‏ سمعت النبى عليه السلام يقول‏:‏ ‏(‏طعام الواحد يكفى الأثنين، وطعام الأثنين يكفى الأربعة، وطعام الأربعة يكفى الثمانية‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ والمراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة فى الأكل والموساة والإيثار على النفس الذى مدح الله به أصحاب نبيه، فقال‏:‏ ‏(‏ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ‏(‏ولا يراد بها معنى التساوى فى الأكل والتشاح؛ لأن قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏كافى الثلاثة‏)‏ دليل على الأثرة التى كانوا يمتدحون بها والتقنع بالكفاية، وقد هم عمر بن الخطاب فى سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم وقال‏:‏ لن يهلك أحد عن نصف قوته‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وحديث أبى هريرة يدل على أنه يستحب الاجتماع على الطعام وألا يأكل المرء وحده؛ فإن البركة فى ذلك على ما جاء في حديث وحشي عن النبي، وسيأتي فى باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة- إن شاء الله‏.‏

باب‏:‏ المؤمن يأكل فى معاء واحد

- فيه‏:‏ ابْنُ عُمَرَ كَانَ لا يَأْكُلُ حَتَّى يأْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، قَالَ نَافِعٌ‏:‏ فَأَدْخَلْتُ رَجُلاً يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ‏:‏ يَا نَافِعُ، لا تُدْخِلْ هَذَا عَلَىَّ، سَمِعْتُ النَّبِى صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏(‏الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِى مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ‏)‏‏.‏

- وَقَالَ عَمْرو‏:‏ كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلا أَكُولا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ‏:‏ إِنَّ النَّبِىّ عليه السلام قَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ‏)‏، فَقَالَ‏:‏ فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلاً كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلا قَلِيلاً فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِى صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِى مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ ذكر ابن إسحاق قال بلغنى عن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة أن الذى قال فيه النبى هذا الحديث ثمامة بن أثال الحنفى، وذكر غيره أنه جهجاه الغفارى، والله أعلم‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ مامعنى هذا الحديث وقد نجد مؤمنًا كثير الأكل كأبى نهيك وغيره، ونجد أيضًا كافرًا قليل الأكل‏؟‏ فالجواب وبالله التوفيق أن النبى عليه السلام وإنما أراد بقوله‏:‏ ‏(‏المؤمن يأكل فى معاء واحد‏)‏ المؤمن التام الإيمان؛ لأنه من حسن إسلامه وكمل إيمانه تفكر فى خلق الله له وفيما يصير إليه من الموت ومابعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته، وقد روى هذا المعنى عن النبى عليه السلام من حديث أبى أمامة قال أبو أمامة‏:‏ سمعت النبى عليه السلام يقول‏:‏ ‏(‏عليكم بقله الأكل تعرفون فى الآخرة، فمن كثر تفكره قل طعمه وكل لسانه ومن قل تفكره كثر طعمه وعظم ذنبه وقسا قلبه، والقلب القاسى بعيد من الله‏)‏‏.‏

فأخبر عليه السلام أن من تفكر فيما ينبغى له التفكر فيه من قرب أجله ومايصير إليه فى معاده قلّ طمعه وكل لسانه وحق ذلك‏.‏

قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏المؤمن يأكل فى معاء واحد‏)‏ الحض على التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعةبالبلغة، ألا ترى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذخ بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذخ بإشراف نفس كان كالذى يأكل ولا يشبع‏)‏‏.‏

فدل هذا المعنى أن المؤمن الذى وصفه النبى عليه السلام أنه يأكل معاء واحد هو التام الإيمان المقتصد فى مطعمه وملبسه الذى قبل وصية نبيه فأخذ المال بسخاوة نفس فبورك له فيه واستراح من داء الحرص‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فإن كان معنى الحديث ماذكرت، فما أنت قائل فيما روى عن عمر بن الخطاب أنه كان يأكل صاع تمر حتى تتبع حشفه، ولا أتم من إيمانه‏.‏

قيل له‏:‏ من علم بسيرة عمر وتقلله فى مطعمه وملبسه لم يعترض بهذا ولم يتوهم أن قوت عمر كل يوم كان صاع تمر؛ لأنه كان من التقلل فى مطعمه وملبسه فى ابعد الغايات، وكان أشد الناس اقتداء برسول الله فى سيرته، وإنما كان يأكل عمر الصاع فى بعض الأوقات إذا غالبه الجوع وآلمه فكثيرًا كان يجوع نفسه ولايبلغ من الكل نهمته، وقد كانت العرب فى الجاهلية تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته، قال الشاعر‏:‏

يكفيه حزة فلذ ان ألم بها *** من الشواة ويروى شربه الغمر

وقالت أم زرع فى ابن أبى زرع‏:‏ وتشبعه ذراع الجفرة وقال حاتم الطائى يذم كثرة الأكل‏:‏ فإنك إن أعطيت بطنك سؤله *** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقد شبه الله تعالى أكل الكفار بأكل البهائم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كفروا ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام‏}‏ أى‏:‏ أنهم يأكلون بالشرة والنهم كالأنعام؛ لأنهم جهال، وذلك لأن الأكل على ضربين‏:‏ أكل نهمة وأكل حكمة، فأكل النهمة للشهوة فقط، وأكل الحكمة للشهوة والمصلحة‏.‏

باب‏:‏ الأكل متكأ

- فيه‏:‏ أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا آكُلُ مُتَّكِئًا‏)‏‏.‏

إنما فعل ذلك والله أعلم توضعًا لله وتذللا له، وقد بين هذا أبو أيوب فى حديثه عن الزهرى‏:‏ ‏(‏أن النبى عليه السلام أتاه ملك لم يأتيه قبل تلك المرة ولابعدها فقال‏:‏ إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًا أو ملكًا نبيًا، قال فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن يتواضع، فقال‏:‏ بل عبدًا نبيًا، فما أكل متكئاً‏)‏‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏(‏لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم متكأ قط إلا مرة، ففزع فجلس فقال‏:‏ اللهم أنا عبدك ورسولك‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ من أكل متكئًا فلم يأت حرامًا، وإنما يكره ذلك؛ لأنه خلاف التواضع الذى اختاره الله لأنبيائه وصفوته من خلقه، وقد أجاز ابن سيرين والزهرى الأكل متكئا‏.‏

باب الشواء

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجاء بعجل حنيذ ‏(‏مشوي - فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أُتِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بِضَبٍّ مَشْوِىٍّ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُله، فَقِيلَ‏:‏ إِنَّهُ ضَبٌّ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قَالَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ‏:‏ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ‏.‏

قال صاحب العين‏:‏ حنذت اللحم أحنذه إذا شويته بالحجارة المسخنة، واللحم حنيذ حنذ، والشمس تحنذ أيضًا‏.‏

وفيه‏:‏ صاحب جواز أكل الشواء؛ لأنه عليه السلام أهوى ليأكل منه، ولو كان مما لا يقتذر أكله غير الضب‏.‏

باب الخزيرة

قَالَ النَّضْرُ‏:‏ الْخَزِيرَةُ مِنَ النُّخَالَةِ وَالْحَرِيرَةُ مِنَ اللَّبَنِ‏.‏

- فيه‏:‏ عِتْبَان، أَنَّهُ قَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَنْكَرْتُ بَصَرِى- الحديث- فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

وذكر الطبري أن الخزيرة شيء يتخذ كهيئة العصيدة غير أنه أرق منها‏.‏

باب الأقط

- فيه‏:‏ أَنَس‏:‏ بَنَى النَّبِى عليه السلام بِصَفِيَّةَ، فَأَلْقَى التَّمْرَ وَالأقِطَ وَالسَّمْنَ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، أَهْدَتْ خَالَتِى إِلَى النَّبِى عليه السلام ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

الأقط‏:‏ هو شىء يصنع من اللبن، وذلك أن يؤخذ ماء اللبن فيطبخ فكلما طفا عليه من بياض اللبن شىء جمع فى إناء فذلك الأقط، وهو أطعمة العرب‏.‏

باب‏:‏ السلق والشعير

- فيه‏:‏ سَهْل، إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِى قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا، فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلا نَقِيلُ إِلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلا وَدَكٌ‏.‏

فيه ماكان السلف عليه من الاقتصار فى مطعمهم وتقللهم واقتصارهم على الدون من ذلك، ألا ترى حرصهم على السلق والشعير، وهذا يدل أنهم كانوا لايأكلون ذلك فى كل وقت ولم تكن همتهم اتباع شهواتهم، وإنما كانت همتهم من القوت فيما يبلغهم المحل ويدفعون سورة الجوع بما يمكن، فمن كان حريصًا أن يكون فى الآخرة مع صالح سلفه فليسلك سبيلهم وليجر على طريقتهم وليقتد بهديهم، والله أعلم‏.‏

باب‏:‏ النهس وانتشال اللحم

- فيه‏:‏ ابن سيرين، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، تَعَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام كَتِفًا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ‏.‏

وقال عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ انْتَشَلَ النَّبِى عليه السلام عَرْقًا مِنْ قِدْرٍ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ‏.‏

لا يصح لابن سيرين سماع من ابن عباس ولا من ابن عمر، وإنما يسند الحديث برواية عكرمة عن ابن عباس‏.‏

وقال أهل اللغة‏:‏ نهس الرجل والسبع اللحم نهسًا‏:‏ قبض عليه ثم نتره، والنهس والنهش عند الأصمعى واحد، وخالفه أبو زيد وغيره، فقالوا‏:‏ النهس بمقدم الفم كنهس الحية، وانتشال اللحم نتفه وقطعه، يقال‏:‏ نشلت اللحم من المرق نشلاً‏:‏ أخرجته منه، وقال بعضهم نشلت اللحم نشلا‏:‏ إذا أخذت بيدك عضوًا فانتشلت ماعليه، وتعرق اللحم‏:‏ إذا أكله على عظمه‏.‏

باب‏:‏ تعرق العضد

- فيه‏:‏ أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّهُ كَانَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فِى طَرِيقِ مَكَّةَ، فَرأى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فعقره‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وذكر الحديث، إلى قوله‏:‏ فَنَاوَلْتُ النَّبِىّ الْعَضُدَ، فَأَكَلَهَا فَتَعَرَّقَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ قال صاحب العين‏:‏ تعرقت العظم وأعرقته وعرقته أعرقه عرقًا؛ أكلت ماعليه، والعراق العظم بال لحم، فإن كان عليه لحم فهو عرق‏.‏

باب‏:‏ قطع اللحم بالسكين

- فيه‏:‏ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِى عليه السلام يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِى يَدِهِ، فَدُعِى إِلَى الصَّلاةِ، فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِى يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ‏.‏

هذا الحديث يرد حديث أبى معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏لا تقطعوا اللحم بالسكين؛ فإنه من صنيع الأعاجم، وانهشوه فإنه أهنأ وأمرأ‏)‏ قال أبو داود‏:‏ وهو حديث ليس بالقوى‏.‏

باب‏:‏ ما عاب النبى عليه السلام طعامًا

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، مَا عَابَ النَّبِىُّ عليه السلام طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ‏.‏

هذا من حسن الأدب على الله تعالى لأنه إذا عاب المرء ما كرهه من الطعام فقد رد على الله رزقه، وقد يكره بعض الناس من الطعام مالايكرهه غيره، ونعم الله تعالى لا تعاب وإنما يجب الشكر عليها، والحمد لله لأجلها؛ لأنه لا يجب لنا عليه شىء منها، بل هو متفضل فى إعطائه عادل فى منعه‏.‏

باب‏:‏ النفخ فى الشعير

- فيه‏:‏ أَبُو حَازِم، أَنَّهُ سَأَلَ سَهْلا‏:‏ هَلْ رَأَيْتُمْ فِى زَمَانِ النَّبِى عليه السلام النَّقِيَّ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، فَقُلْتُ‏:‏ فَهَلْ كُنْتُمْ تَنْخُلُونَ الشَّعِيرَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، وَلَكِنْ كُنَّا نَنْفُخُهُ‏.‏

وفي هذا الحديث أيضًا ماكان عليه السلف من التخشن فى مأكلهم وترك الترقيق لها والتباين فيها، وكانوا فى سعة من تنحيله؛ لأن ذلك مباح لهم فآثروا التخشن وتركوا التنعيم ليقتدى بهم من يأتي بعدهم، فخالفناهم فى ذلك وآثرنا الترقيق فى مأكلنا، ولم نرض بما رضوا به من ذلك رضوان الله عليهم فكيف نرجو اللحاق بهم‏؟‏‏.‏

باب‏:‏ ما كان النبي عليه السلام وأصحابه يأكلون

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَسَمَ النَّبِى عليه السلام يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَانِى سَبْعَ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبَ إِلَىَّ مِنْهَا، شَدَّتْ فِى مَضَاغِى‏.‏

- وفيه‏:‏ قَيْسٍ، عَنْ سَعْدٍ، رَأَيْتُنِى مَعَ النَّبِىِّ عليه السَّلام سابع سبعة، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ- أَوِ الْحَبَلَةِ- حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِى عَلَى الإسْلامِ خَسِرْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْىِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو حَازِم، سَأَلْتُ سَهْلاً، هَلْ أَكَلَ النَّبِىّ عليه السلام النَّقِيَّ‏؟‏ فَقَالَ سَهْلٌ‏:‏ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام النَّقِى مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَ‏:‏ فَقُلْتُ‏:‏ هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام مَنَاخِلُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام مُنْخُلا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَين قَبَضَهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ قُلْتُ‏:‏ كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِى ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ‏:‏ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، مَا أَكَلَ النَّبِى عليه السلام عَلَى خِوَانٍ، وَلا فِى سُكْرُجَةٍ، وَلا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ ماوجه هذه الأخبار ومعانيها وقد علمت صحة الخبر عن النبى أنه كان يرفع مما أفاء الله عليه من النضير وفدك قوته وقوت عياله لسنة ثم يجعل مافضل من ذلك فى الكراع والسلاح عدة فى سبيل الله، وأنه بين اربعة أنفس زهاء الف بعير من نصيبه مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، وأنه ساق فى حجة الوداع مائة بعير فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه كان يأمر للأعرابى يسلم بقطيع من الغنم‏.‏

هذا مع ما يكثر تعداده من عطاياه التى لايذكر مثلها عمن تقدم قبله من ملوك الأمم السالفة مع كونه بين ارباب الأموال الجسام كابى بكر الصديق وعمر وعثمان وأمثالهم فى كثرة الأموال وبذلهم مهجهم وأولادهم، وخروج أحدهم من جميع ماله تقربا إلى الله تعالى مع إشراك الأنصار فى أموالهم من قدم عليهم من المهاجرين وبذلهم نفائسها فى ذات الله، فكيف بإنفاقها على رسول الله وبه إليها الحاجة العظمى، وأنكر النكير تضاد الآثار فى ذلك إذ غير جائز اجتماع قشف المعيشة وشظفها والرخاء والسعة فيها فى حال واحدة‏؟‏‏.‏

قيل‏:‏ كل هذه الأخبار صحاح ولاشىء منها يدفع غيره ولاينقصه فأما حديث سعد قال‏:‏ ‏(‏رأيتنى مع النبى عليه السلام مالنا طعام إلا ورق الحبلة‏)‏ وغيرها من الأحاديث أنه كان عليه السلام يظل اليوم يتلوى من الجوع مايجد مايملأ بطنه، فإن ذلك كان يكون فى الحين بعد الحين من أجل أن من كان منهم ذا مال كانت تستغرق نوائب الحقوق وماله وموساة الضيفان، ومن قدم عليهم من وفود العرب حتى يقل كثيره أو يذهب جميعه‏.‏

وكيف لا يكون كذلك وقد روينا عن عمر أن النبى أمر بالصدقة فجاء أبو بكر الصديق بجميع ماله فقال‏:‏ هذا صدقة لله، فكيف يستنكر لمن هذا فعله أن يملق صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بمايغنيه؛ وعلى هذه الخليفة كانت خلائق أصحابه، كالذى ذكر عن عثمان أنه كهز جيشًا من ماله حتى لم يفقدوا حبلا ولاقتبًا، وكالذى روى عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله حث على الصدقة فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة، فمعلوم أن من كانت هذه أخلاقه وأفعاله أنه لا يخطئه أن تأتى عليه التارة من الزمان والحين من الايام مملقًا لاشىء له، إلا أن يثوب له مال‏.‏

فبان خطأ قول القائل‏:‏ كيف يجوز أن يرهن النبى درعه عند اليهود بوسق شعير، وفى أصحابه من أهل الغنى والسعة من لايجهل موضعه‏؟‏ أم كيف يجوز أن يوصف أنه كان يطوى الأيام ذوات العدد خميصًا وأصحابه يمتهنون أموالهم لمن هو دونه من أصحابه، فكيف له إذ كان معلومًا وجوده وكرمه عليه السلام وإيثاره ضيفانه القادمين عنده من الأقوات والأموال على نفسه‏.‏

واحتماله المشقة والمجاع فى ذات الله، ومن كان كذلك هو واصحابه فغير مستنكر لهم حال ضيق يحتاجون معها إلى الاستسلاف وإلى طى الأيام على المجاعة والشدة وأكلهم ورق الحبلة‏.‏

فأما ما روى عنه‏:‏ ‏(‏أنه لم يشبع من البر ثلاثة أيام تباعًا حتى قبض‏)‏ فإن البر كان بالمدينة قليلاً، وكان الغالب عليهم الشعير والتمر فغير نكير أن يؤثر قوت أهل بلده ويكره أن يخص نفسه لما لاسبيل للمسلمين إليه من الغذاء، وهذا هو الأشبه بأخلاقه عليه السلام‏.‏

وما روى عنه أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، فإن ذلك لم يكن منه فى كل أحواله لعوز ولا ضيق وكيف ذلك وقد كان الله أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها ونقل إليه الخراج من بعض بلاد العجم كأيله والبحرين وهجر؛ ولكن كان بعضه لما وصفت من إيثار نوائب حقوق الله، وبعضه كراهية منه الشبع وكثرة الأكل، فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه به‏.‏

وروى عن زيد وهب، عن عطية بن عامر الجهنى قال‏:‏ ‏(‏أكره سلمان على طعام يأكله فقال‏:‏ حسبى؛ فإنى سمعت النبى عليه السلام يقول‏:‏ إن أكثر الناس شبعًا فى الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة‏)‏ وروى أسد ابن موسى من حديث عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏أكلت ثريدة بر بلحم سمين، فأتيت النبى عليه السلام وأنا أتجشأ، فقال‏:‏ اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة، فإن أكثر الناس شبعًا فى الدنيا أطولهم جوعًا فى الآخرة‏)‏ فما أكل أبو جحيفة ملىء جحيفة ملء بطنه فارق الدنيا كان إذا تغذى لايتعشى وإذا نعتشى لايتغدى‏.‏

وعلى إيثار الجوع وقله الشبع مع وجود السبيل إليه مرة وعدمه أخرى مضى الخيار من الصحباة والتابعين، وروى وهب بن كيسان، عن جابر قال‏:‏ ‏(‏لقينى عمر بن الخطاب ومعى لحم اشتريته بدرهم، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقلت‏:‏ ياأمير المؤمنين، اشتريته للصبيان والنساء‏.‏

فقال عمر‏:‏ لا يشتهى أحدكم شيئًا إلا وقع فيه أو لا يطوى أحدكم بطنه لجاره وابن عمه، أين تذهب عنكم هذه الآية‏:‏ ‏(‏أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها‏)‏‏؟‏ وقال هشيم عن منصور، عن ابن سيرين‏:‏ ‏(‏أن رجلاً قال لابن عمر‏:‏ اجعل جوارشنا‏؟‏ قال‏:‏ ما هو‏؟‏ قال‏:‏ شىء إذا كظمك الطعام فأصبت منه سهل عليك‏.‏

قال ابن عمر‏:‏ ماشبعت منذ أربعة أشهر، وماذاك إلا أكون له واجدًا، ولكنى عهدت قومًا يشبعون مرة ويجوعون مرة‏)‏‏.‏

وقال الزهرى‏:‏ ‏(‏إن عبد الله بن مطيع قال لصفية‏:‏ لو ألطفت هذا الشيخ- يعنى ابن عمر- قالت‏:‏ إن عبد الله بن مطيع قال لصفية‏:‏ لو ألطفت هذا الشيخ- يعنى ابن عمر- قالت‏:‏ قد أعيانى أن لا يأكل إلا ومعه آكل فو كلمته‏.‏

قال‏:‏ فكلمته، فقال‏:‏ الآن تأمرنى بالشبع ولم يبق من عمرى إلا ظمء حمار، فما شبعت منذ ثمانى سنين‏)‏‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لو أكلت كل ماأشتهى ماسويت حشفة‏.‏

وقال الفضيل‏:‏ خصلتان تقسيان القلب‏:‏ كثرة الأكل والكلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ثم أصبحت بنو أسد تعزرنى على الإسلام‏)‏ يعنى‏:‏ يقومونى عليه ويعلمونيه، من قولهم‏:‏ ‏(‏عزر السلطان فلانًا إذا أدبه وقومه‏)‏‏.‏

وأصل العزير التأديب، ولهذا سمى الضرب دون الحد تعزيرًا، وكان هذا القول عن سعد حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر وقالوا‏:‏ إنه لايحسن الصلاة وعمر بن الخطاب من بنى أسد‏.‏

وفيه من الفقه أنه لابأس أن يذكر الرجل فضائله وسوابقه فى الإسلام عندما ينتقصه أهل الباطل ويضعون من قدره، ولايكون ذكره لفضائله من باب الفخر المنهى عنه‏.‏

وقال صاحب العين‏:‏ الحبلة‏:‏ بضم الحاء ثمر العضاة، والحبلة‏:‏ بفت الحاء والباء قضبان الكرم‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ الزرجون حبلة وجمعها حبل‏.‏

وقال صاحب العين‏:‏ والحبلة أيضًا ضرب من الشجر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏شاة مصلية‏)‏ يعنى‏:‏ مشوية، يقال‏:‏ صليت اللحم أصلية صليا‏:‏ شويته، فالصلاء‏:‏ الشواء، وأصليته‏:‏ ألقيته فى النار‏.‏

باب التلبينة

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، سَمِعْتُ النَّبِى صلى الله عليه وسلم يَقُول‏:‏ ‏(‏التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ‏)‏‏.‏

وقد تقدم فى كتاب الطب‏.‏

باب الثريد

- فيه‏:‏ أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، دَخَلْتُ مَعَ النَّبِى عليه السلام عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ، قَالَ‏:‏ وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قال المؤلف‏:‏ الثريد أزكى الطعام بركة، وهو طعام العرب وقد شهد له النبى بالفضل على سائر الطعام وكفى بذلك تفضيلا له وشرفًا‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فقد شهد النبى عليه السلام بالكمال لمريم وآسية، ثم قال‏:‏ ‏(‏وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام‏)‏ ولايبين فى ظاهر هذا اللفظ تفضيل مريم وآسية على عائشة ولافضل عائشة عليهما‏.‏

فالجواب فى ذلك أن التفضيل لا يدرك بالرأى، وإنما يؤخذ بالتوقيف، فإذا عدم التوقيف بالقطع فى ذلك رجع إلى الدلائل، وقد اختلفت الدلائل فى ذلك لاحتمال اللفظ للتأويل‏.‏

فمما استدل به من فضل مريم على عائشة قوله تعالى لمريم‏:‏ ‏(‏إن الله اصطفاك‏)‏ أى‏:‏ اختارك وطهرك من الكفر، عن مجاهد والحسن‏.‏

وقيل‏:‏ وطهرك من الأدناس‏:‏ الحيض والنفاس، عن الزجاج وغيره‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏واصطفاك على نساء العالمين‏)‏ يدل على تفضيلها على جميع نساء الدنيا؛ لأن العالمين جمع عالم، ألا ترى أن الله جعلها وأبنها آية أن ولدت من غير فحل، وهذا شىء لم يخص به غيرها من نساء الدنيا وجاءها جبريل ولم يأت غيرها من النساء قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا‏.‏‏.‏‏)‏ إلى ‏(‏زكياً‏)‏‏.‏

وقال ابن وهب صاحب مالك صاحب مالك بنوتها واختاره أبو إسحاق الزجاج وهو إمام سنة، وهو قول أبى بكر بن اللباد فقيه المغرب، وقول أبى محمد بن أبى زيد، وأبى الحسن بن القابس، وعلى هذا القول يكون أول الحديث على العموم فى مريم وآسية وآخره على الخصوص فى عائشة، ويكون المعنى فضل مريم ولآسية على جميع نساء كل عالم، وفضل عائشة على نساء عالمها خاصة‏.‏

وأبى هذا طائفة أخرى، وقالوا‏:‏ بفضل عائشة على جميع النساء ولم يقولوا بنبوة مريم ولا أحد من النساء، وحملوا آخر الحديث على العموم وأوله على الخصوص وقالوا‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك‏)‏ و ‏(‏اصطفاك على نساء العالمين‏)‏ يعنى عالم زمانها وهو الحسن وابن جريح، ويكون قوله‏:‏ ‏(‏فضل عائشة‏)‏ على نساء الدنيا كلها، ومن حجتهم على ذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجن للناس‏)‏ فعلم بهذا الخطاب أن المسلمين أفضل جميع الأمم، ألا ترى قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناهم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس‏)‏ والوسط‏:‏ العدل عند أهل التأويل فدل هذا كله أن من شهد له النبى بالفضل من أمته وعينه فهو أفضل ممن شهد له بالفضل من الأمم الخالية، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا نساء النبى لستن كأحد من النساء‏)‏ فدل عموم هذا اللفظ على فضل أزواجه على كل من قبلهن وبعدهن، وأجمعت الأمة أن نبينا محمدًا أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك نساؤه لهن من الفضل على سائر الدنيا ماللنبى على سائر الأنبياء، وقد صح أن نساءه معه فى الجنة، ومريم مع ابنها، وابنها فى الجنة، ودرجة محمد في الجنة فوق درجة هؤلاء كلهم‏.‏

والله أعلم بحقيقة الفضل فى ذلك‏.‏

باب‏:‏ الشاة المسموطة والكتف والجنب

- فيه‏:‏ قَتَادَةَ، كُنَّا نَأْتِى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، ثُمّ قَالَ‏:‏ كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِى عليه السلام رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ‏.‏

- وفيه‏:‏ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ‏:‏ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِىَ إِلَى الصَّلاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ‏.‏

إن قال قائل‏:‏ كيف يتفق قول أنس بن مالك‏:‏ ‏(‏ما أعلم أن الرسول رأى سميطًا بعينه قط‏)‏ مع قول عمرو بن أمية‏:‏ ‏(‏أنه رأى النبى عليه السلام يحتز من كتف شاة‏)‏ مع ما روى الترمذى قال‏:‏ حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى حدثنا حجاج بن محمد حدثنا ابن جريج أخبرنى محمد بن يوسف أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة أخبرته‏:‏ ‏(‏أنها قربت إلى رسول الله عليه السلام جنبًا مشويًا، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ‏)‏ قال الترمذى‏:‏ وهذا حديث صحيح غريب، وفى الباب عن عبد الله بن الحارث والمغيرة وأبى رافع‏.‏

قال المؤلف‏:‏ فالجواب أن قول أنس يحتمل تأويلين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكون النبى عليه السلام لم يتفق له قط أن تسمط له شاة بكمالها، لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى، وذلك لحم مسموط لا محالة‏.‏

والثانى‏:‏ أن أنسًا قال‏:‏ لا أعلم ولم يقطع على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل لحمًا مشويًا، فأخبربما علم وأخبر عمرو ابن أمية أم سلمه وغيرها أنه رأى النبى يحتز من الكتف والجنب المشوى، وكل واحد أخبر بما علم، وليس قول أنس برافع قول من علم لأن من علم حجه على من لم يعلم؛ لأنه زاد عليه فوجب قبول الزيادة‏.‏

والمسموطة‏:‏ المشوية بجلها، قال صاحب العين‏:‏ سمطت الجمل أسمطة سمطأط‏:‏ تنقيته من الصوف بعد إدخاله فى الماء الحار‏.‏

وقال صاحب الأفعال‏:‏ سمطت الجدى، وغيره‏:‏ علقه من السموط، وهى معاليق من سيور تعلق من السرج‏.‏

باب ما كان السلف يدخرون فى بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم وغيره

وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ‏:‏ صَنَعْنَا لِلنَّبِى صلى الله عليه وسلم وَأَبِى بَكْرٍ سُفْرَةً‏.‏

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، سئلت أَنَهَى النَّبِى صلى الله عليه وسلم أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الأضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ، قَالَتْ‏:‏ مَا فَعَلَهُ إِلا فِى عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِى الْفَقِيرَ، وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ، فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ، قِيلَ مَا اضْطَرَّكُمْ إِلَيْهِ‏؟‏ فَضَحِكَتْ، قَالَتْ‏:‏ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ عليه السلام مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِر، كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْىِ عَلَى عَهْدِ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ‏.‏

هذا الباب رد على الصوفية فى قولهم إنه لايجوز ادخالر طعام الغد، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية لله حتى يتصدق بما فضل عن شبعه ولا يترك طعامًا لغد ولايصبح عنده شىء من عين ولا عرض ويمسى كذلك ومن خالف ذلك فقد اساء الظن بالله ولم يتوكل عليه حق توكله، وهذه الآثار ثابتة بإدخار الصحابة وتزود النبى وأصحابه فى أسفارهم وهى المقنع والحجة الكافية فى رد قولهم، والله الموفق‏.‏

وقد تقدم فى كتاب الخمس فى حديث مالك بن أوس بن الحدثان قول عمر لعلى والعباس حين جاءا يطلبان ماأفاء الله على رسوله من بنى النضير إلى قول عمر‏:‏ ‏(‏فكان النبى ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال‏)‏ وقد صح بهذا إدخاره عليه السلام لأهله قوت سنتهم وفيه الأسوة الحسنة، وفى باب نفقة نساء النبى عليه السلام وبعد وفاته‏.‏

فى كتاب الخمس أيضًا استقصاء الحجة فى هذه المسألة والأحاديث المعارضة‏.‏

باب الحيس

- فيه‏:‏ أَنَس‏:‏ ‏(‏أَنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم بنى بصفية بنت حى بالصهباء حين أقبلنا من خيبر صنع حيسا فِى نطع ثُمَّ أرسلنى فدعوت رجالاً فأكلوا‏.‏‏.‏

الحديث‏)‏‏.‏

والحيس عند العرب خلط الأقط بالسمن والتمر تقول حته حيسًا وحيسة، عن صاحب العين، وقد تقدم فى النكاح‏.‏

باب الأكل فى إناء مفضض

- فيه‏:‏ ابْن أَبِى لَيْلَى، أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجُوسِىٌّ فَلَمَّا وَضَعَ الْقَدَحَ فِى يَدِهِ رَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ‏:‏ لَوْلا أَنِّى نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ‏:‏ لَمْ أَفْعَلْ هَذَا، وَلَكِنِّى سَمِعْتُ النَّبِى عليه السلام يَقُولُ‏:‏ ‏(‏لا تَشْرَبُوا فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِى صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَك فِى الآخِرَةِ‏)‏‏.‏

قد تقدم هذا فى كتاب الأشربة روى ابن القاسم عن مالك أنه كره مداهن الفضة، والاستجمار فى آنية الفضة، والمرأة فيها حلقة فضة لنهيه عليه السلام عن استمال آنية الذهب والفضة، وقال‏:‏ هى لهم فى الدنيا يعنى الكفار ولكم فى الآخرة‏.‏

باب ذكر الطعام

- فيه‏:‏ أَبُو مُوسَى، قال النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلِ التَّمْرَةِ، لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ معنى هذه الترجمة- والله أعلم- إباحة أكل الطعام الطيب وكراهة أكل المر، وأن الزهد ليس فى خلاف ذلك ألا ترى أن النبى عليه السلام شبه المؤمن الذى يقرأ القرآن بالأترجة التى طعمها طيب وريحها طيب، وشبه المؤمن الذى لايقرأ بالتمرة طعمها طيب ولاريح لها، ففى هذا الترغيب فى أكل الطعام الطيب وأكل الحلو، ولو كان الزهد فيه أفضل لماشبه النبى عليه السلام ذلك مرة بقرأة القرآن ومرة بالإيمان، فكما يفضل المؤمن بقرأة القرآن وبالإيمان فكذلك فضل الطعام الطيب سائر الطعام، ويشهد لهذا أنه فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذا تنبيه منه على أكل الثريد واستعماله لفضله، وتشبيهه المنافق بالحنظلة والريحانة اللتين طعمهما مر؛ فذلك غاية الذم للطعام المر، إلا أن السلف كرهوا الأكثار من أكل الطيبات وإدمانها خشية أن يصير ذلك لهم عادة، فلا تصبر نفوسهم على فقدها رياضة لهم وتذليلا وتواضعًا‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما معنى حديث أبى هريرة وليس فيه ذكر أفضل الطعام ولا أدناه‏؟‏ قيل‏:‏ يحتمل أن يريد به أن ابن آدم لابد له فى الدنيا من طعام يقيم به جسده ويقوى به على طاعة ربه، وأن الله تعالى جبل النفوس على الأكل والشرب والنوم وذلك قوام الحياة، والناس فى ذلك بين مقل ومكثر، فالمؤمن يأخذ من ذلك قدر إيثاره للآخر والدنيا‏.‏

باب الأدم

- فيه‏:‏ عَائِشَةُ، أَن النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَيْتَها وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ، فَدَعَا بِالْغَدَاءِ، فَأُتِىَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَلَمْ أَرَ لَحْمًا‏)‏‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَأَهْدَتْهُ لَنَا، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا، وَهَدِيَّةٌ لَنَا‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فى هذا الحديث البيان البين أن النبى- عليه السلام كان يؤثر فى طعامه اللحم على غيره إذا وجد إليه سبيلا، وذلك أنه لما رأى اللحم فى منزله قال‏:‏ ‏(‏ألم أر لحمًا‏؟‏ فقالوا‏:‏ إنه تصدق به على بريرة‏)‏ فدل هذا على إيثاره عليه السلام للحم إذا وجد إليه السبيل، لأنه قال ذلك بعد أن قرب إليه أدم من أدم البيت، فالحق على كل ذى لب أن يؤثر اللحم على طعامه لإيثار النبى له ولما حدثنا سعيد بن عنبسه الرازى حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا أبو هلال، عن ابن بريدة عن أبيه أن النبى عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏سيد الإدام فى الدنيا والآخرة اللحم‏)‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ فقد قال عمر بن الخطاب لرجل رآه يكثر الاختلاف إلى القصابين‏:‏ اتقوا هذه المجازر على أموالكم، فإن لها ضرواة كضراوة الخمر، وعلاه بالدرة‏.‏

وقال أبو أمامة‏:‏ إنى لأبغض أهل اليت أن يكونوا لحميين‏.‏

قيل‏:‏ وما اللحميون‏؟‏ قال‏:‏ يكون لهم قوت شهر فيأكلونه فى اللحم فى أيام‏.‏

وقد قال يزيد بن أبى حبيب‏:‏ القنية طعام الأنبياء‏.‏

وقال ابن عون‏:‏ ما رأيت على خوان لحمًا يشتريه إلا أن يهدى له، وكان يأكل السمن والكامخ، فيقول‏:‏ سأصبر على هذا حتى يأذن الله بالفرج‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وهذه أخبار صحاح ليس فيها خلاف لشىء مماتقدم، فأما كراهة عمر فإنما كان خوفًا منه عليه الاحجاف بماله لكثرة شرائه اللحم إذ كان اللحم قليلاً عندهم، وأراد أن يأخذ بحظه من ترك شهوات الدنيا وقمع نفسه، يدل على ذلك قوله لابنه‏:‏ كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى، وأما أبو أمامة فقد أخبر بالعلة التى لها كره أن يكون أهل البيت لحميين وهو تبذيرهم وتدميرهم‏.‏

وأما ابن سيرين فإنما ترك شراء اللحم؛ إذ لزمه الدين وفلس من أجله، فلم يكن عنده لها فضاء، والحق عليه مافعل من التقصير فى عيشه وترك التوسع فى مطعمه حتى يؤدى ماعليه لغرمائه، وكان إذا وجده من غير الشراء لم يؤثر عليه غيره‏.‏

وأما قول يزيد بن أبى حبيب أن القطنية طعام الأنبياء، فمعنى ذلك والله أعلم نحو معنى فعل عمر فى تركه ذلك إشفاقًا ممن يكون بأكله مم يكون فى جملة من أذهب طيباته فى حيانه الدنيا مع أن التأسى بنبينا عليه السلام لايؤثر على اللحم شيئًا ما وجد إليه السبيل‏.‏

حدثنى محمد بن عمار الرازى حدثنا سهل بن بكار حدثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزى، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏(‏ذبحت للنبى عليه السلام عناقًا واصحلتها، فلما وضعتها بين يديه، نظر إلى وقال‏:‏ كأنك قد علمت حبنا اللحم‏)‏‏.‏

وبمثل الذى قلنا كان السلف يعملون، روى الأعمش عن أبى عباد عن أبى عمرو الشيبانى قال‏:‏ ‏(‏رأى عبد الله مع رجل دراهم فقال‏:‏ ما تصنع بها‏؟‏ قال‏:‏ أشترى بها سمنًا‏.‏

قال‏:‏ أعطها أمراتك تضعها تحت فراشها، ثم اشتر كل يوم بدرهم لحمًا‏.‏

وكان للحسن كل يوم لحم بنصف درهم، وقال ابن عون‏:‏ إذا فاتنى اللحم فما أدرى ما أئتدم‏)‏‏.‏

باب‏:‏ الحلواء والعسل

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، كُنْتُ أَلْزَمُ رسُول عليه السلام لِشِبَعِ بَطْنِى حِينَ لا آكُلُ الْخَمِيرَ، وَلا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَلا يَخْدُمُنِى فُلانٌ وَلا فُلانَةُ، وَأُلْصِقُ بَطْنِى بِالْحَصْبَاءِ، وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ- وَهِى مَعِى- كَى يَنْقَلِبَ بِى فَيُطْعِمَنِى، وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، يَنْقَلِبُ بِنَا، فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِى بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَىْءٌ، فَنَشْتَقُّهَا، فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا‏.‏

الحلواء والعسل من جملة الطيبات المباحة فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل الله لكم‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق‏)‏ على قول من ذهب إلى أن الطيبات من الرزق فى الآية المستلذ من الطعام، ودل حديث عائشة على صحة هذا التأويل لمحبة رسول الله الحلواء والعسل، وأن ذلك من طعام الصالحين والأبرار اقتداء بحب النبى عليه السلام لهما، ودخل فى معنى هذا الحديث كل ماشاكل الحلواء والعسل من أنواع المآكل اللذيذة الحلوة المطعم، كالتمر والتين والزبيب والعنب، والرمان ذلك من الفواكه‏.‏

وفي حديث أبي هريرة من الفقه الاقتصاد فى المعيشة والأخذ منها بالبلغة الباعثه على الزهد فى الدنيا‏.‏

وفيه فضل جعفر بن أبى طالب ووصفه بالكرم والتواضع لتعاهده للمساكين وإطعامه لهم فى بيته وإكرامهم بذلك، وفى قول أبى هريرة‏:‏ ‏(‏إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شىء فنشتقها ونلعق ما فيها‏)‏ جواز الصدقة باشىء التافه؛ لأن ذلك لايخلو أن يكون فيه مثاقيل ذر كثيرة‏.‏

باب الرجل يتكلف لإخوانه الطعام

- فيه‏:‏ أَبُو مَسْعُود، كَانَ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ‏:‏ أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ‏:‏ اصْنَعْ لِى طَعَامًا أَدْعُو النَّبِىّ عليه السلام خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَدَعَا النَّبِىّ عليه السلام خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ‏)‏، قَالَ‏:‏ بَلْ أَذِنْتُ لَهُ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ فيه الترجمة وأنه فى باب ماقيل فى اللحام والجزار وقد تقدم هنالك الكلام فى هذا الحديث وذكرت فيه وجه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذا رجل قد تبعنا فإن شئت أذنت له‏)‏ ولم يقل ذلك لأبى طلحة حين حمل جماعة أصحابه مع نفسه إلى طعامه‏.‏

فتأمله هناك، وقد تقدم أيضًا فى كتاب باب صنع الطعام والتكلف للضيف فى حديث سلمان وأبي الدرداء‏.‏

باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على عمله

- فيه‏:‏ أَنَس، كُنْتُ غُلامًا أَمْشِى مَعَ النَّبِىّ عليه السلام فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطٍ، فَأَتَاهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ، فَجَعَلَ النَّبِىّ عليه السلام يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ، قَالَ‏:‏ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ‏:‏ فَأَقْبَلَ الْغُلامُ عَلَى عَمَلِهِ، قَالَ أَنَسٌ‏:‏ مَا أَزَالُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ النَّبِىّ عليه السلام صَنَعَ مَا صَنَعَ‏.‏

فى هذا الحديث حجة أن للمضيف أن يقدم الطعام إلى ضيفه ولا يأكل منه، ولايكون ذلك من سوء الأدب بضيفه ولا إخلالا بإكرامه، لأن ذلك صنع بحضرة النبى عليه السلام فلم ينه عنه، ولو كان من دنىء الأخلاق لنهى عنه لأنه بعث معلمًا، ولا أعلم فى الأكل مع الضيف وجهًا غير أنه أبسط لنفسه وأذهب لاحتشامه، فمن قدر على ذلك فهو أبلغ فى بر الضيف، ومن ترك ذلك فواسع إن شاء الله‏.‏

وقد تقدم فى كتاب ذكر حديث أبى بكر الصديق لامرأته أن تطعم أضيافه‏.‏

باب المرق

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِى عليه السلام لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِى عليه السلام فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

فيه أن السلف كانوا يأكلون الطعام الممرق، وفى بعض الآحاديث‏:‏ ‏(‏المرق أحد اللحمين‏)‏ روى أبو عيسى الترمذى حدثنا الحسين بن على بن الأسود، حدثنا عمرو بن محمد العنقرى، حدثنا إسرائيل، عن صالح بن رستم أبى عامر الخزاز، عن أبى عمران الجونى، عن عبد الله بن الصامت، عن أبى ذر قال النبى- عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يحقرن أحدكم شيئًا لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه‏)‏ قال أبو عيسى‏:‏ وهذا حديث صحيح، وقد رواه شعبة عن أبى عمران الجونى‏.‏

وترجم لحديث أنس باب‏:‏ القديد‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، مَا فَعَلَهُ إِلا فِى عَامٍ جَاعَ النَّاسُ، أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِىُّ الْفَقِيرَ، وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

فيه‏:‏ أن القديد كان من طعام النبى عليه السلام وسلف الأمة، وأما قول عائشة‏:‏ ‏(‏ما فعله إلا فى عام جاع الناس‏)‏ تريد نهيه أن يأكلوا من لحوم نسكهم فوق ثلاث من أجل الدافة التى كان بها الجهد فأطلق لهم عليه السلام بعد زوال الجهد الأكل من الضحايا ما شاءوا، ولذلك قالت‏:‏ ‏(‏إن كنا لنرفع الكراع بعد خمس عشرة‏)‏‏.‏

باب‏:‏ من ناول أو قدم إلى أصحابه على المائدة شيئًا

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ‏:‏ لا بَأْسَ أَنْ يُنَاوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلا يُنَاوِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَائِدَةِ إِلَى أُخْرَى‏.‏

- فيه‏:‏ أَنَس، إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِىّ عليه السلام لِطَعَامٍ، فَرَأَيْتُ النَّبِىّ عليه السلام يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ، فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

إنما جاز أن يناول بعضهم بعضًا من على مائدة واحدة لأن ذلك الطعام إنما قدم لهم بأعيانهم ليأكلوا فقد صار من حقوقهم، وهم فيه شركاء، فمن ناول صاحبه مما بين يديه فكأنه آثره بنصيبه ومايجوز له أكله فمباح له ذلك، وقد قال النبى عليه السلام لابن أم سلمة‏:‏ ‏(‏كل ما يليك‏)‏ فجعل ما يليه من المائدة حلالاً له، وأما من كان على مائدة أخرى فلا حق له فى ذلك الطعام ولا شركة، فلذلك كره العلماء أن يناول رجل من كان على مائدة أخرى‏.‏

باب‏:‏ الرطب بالقثاء

- فيه‏:‏ عَبْدِاللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، رَأَيْتُ النَّبِى عليه السلام يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ‏:‏ تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلاثًا، يُصَلِّى هَذَا ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ‏:‏ قَسَمَ النَّبِىّ عليه السلام بَيْنَ أَصْحَابهِ تَمْرًا، فَأَصَابَنِى سَبْعُ تَمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ ومن لذيذ المطعم جمع الآكل بين الشىء الحار والبارد فى الأكل ليعتلا كان النبى عليه السلام يأطل الرطب بالقثاء، وقد قال‏:‏ ‏(‏كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان يغضب ويقول‏:‏ عاش ابن آدم حتى أكل الجديد والخلق‏)‏‏.‏

باب الرطب التمر

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا‏}‏ - فيه‏:‏ عَائِشَةَ، تُوُفِّى النَّبِىّ عليه السلام وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الأسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ‏.‏

- وفيه‏:‏ حديث جابر حين طاف النبى فى نخله وبرك فيها وأكل من رطبها، وقضى اليهودى كل ما عليه وبقى له مثل ما قضاه‏.‏‏.‏‏.‏

وذكر الحديث‏.‏

الرطب والتمر من طيب ماخلق الله وأباحه لعباده فهو جل طعام أهل الحجاز وعمدة أقواتهم، وقد دعا إبراهيم عليه السلام لتمر مكة بالبركة، ودعا النبى عليه السلام لتمر المدينة بمثل ما دعا به إبراهيم لمكة ومثله معه، فلا تزال البركة فى تمرهم وثمارهم إلى قيام الساعة‏.‏

باب‏:‏ أكل الجمار

- فيه‏:‏ ابْن عُمَر، بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِى عليه السلام إِذَا أُتِىَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ، فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِى النَّخْلَةَ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

باب‏:‏ العجوة

- فيه‏:‏ سَعْد، قال النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرُّهُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلا سِحْرٌ‏)‏‏.‏

قد تقدم فى كتاب الطب‏.‏

باب‏:‏ القران فى التمر

- فيه‏:‏ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ، أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرَزَقَنَا تَمْرًا، فَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ، فَيَقُولُ‏:‏ لا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ النَّبِىَّ عليه السلام نَهَى عَنِ الْقِرَانِ، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ إِلا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ‏.‏

قد تقدم فى كتاب الشركة‏.‏

باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة

- فيه‏:‏ عَبْدَاللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، رَأَيْتُ النَّبِى عليه السلام يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ‏.‏

قال المهلب‏:‏ لا أعلم من نهى عن خلط الأدم، إلا شيئًا يروى عن عمر، ويمكن أن يكون ذلك من السرف، والله أعلم‏.‏

لأنه كان يمكن أن يأتدم بأحدهما ويرفع الآخر إلى مرة أخرة، ولم يحرم ذلك عمر لأن النبى عليه السلام قد جمع بين إدامين وأكل الرطب بالقثاء وأكل القديد مع الدباء، وقد روى عن النبى عليه السلام مايبين هذا‏.‏

روى عبد الله بن عمر القواريرى حدثنا حمزة بن نجيح الرقاشى حدثنا سلمة ابن أبى حبيب عن أهل بيت رسول الله ‏(‏أن رسول الله نزل قباء ذات يوم وهو صائم، فانتظر رجل يقال له أوس بن خولى، حتى إذا دنا إفطاره أتاه بقدح فيه لبن وعسل فناوله رسول الله عليه السلام فذاقه ثم وضعه فى الأرض ثم قال‏:‏ ياأوس بن خولى ما شرابك هذا‏؟‏ قال‏:‏ لبن وعسل يارسول الله‏.‏

قال‏:‏ إنى لا أحرمه، ولكنى أدعه تواضعًا لله، فإنه من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر قصمه الله، ومن بذر أفقر الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن ذكر الله أحبه الله‏)‏‏.‏

باب‏:‏ من أدخل الضيفان عشرة عشرة والجلوس على الطعام عشرة عشرة

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ سُلَيْمٍ، عَمَدَتْ إِلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ، وَجَعَلَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً، وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَهَا، ثُمَّ بَعَثَتْنِى إِلَى النَّبِى عليه السلام فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ فِى أَصْحَابِهِ، فَدَعَوْتُهُ، قَالَ‏:‏ ‏(‏وَمَنْ مَعِى‏)‏، قَالَ‏:‏ فَجِئْتُ، فَقُلْتُ‏:‏ إِنَّهُ يَقُولُ، وَمَنْ مَعِى، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ شَىْءٌ صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَدَخَلَ فَجِىءَ بِهِ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَدْخِلْ عَلَىَّ عَشَرَةً‏)‏، فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏أَدْخِلْ عَلَىَّ عَشَرَةً‏)‏، فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏أَدْخِلْ عَلَى عَشَرَةً‏)‏، حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَامَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَىْءٌ‏؟‏‏.‏

فيه أن الاجتماع على الطعام من أسباب البركة فيه، وقد روى ‏(‏أن أصحاب النبى عليه السلام قالوا‏:‏ يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع‏.‏

قال‏:‏ فلعلكم تأكلون وأنتم مفترقون‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم‏)‏ رواه أبو داود، قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا الوليد بن مسلم حدثنا وحشى ابن حرب، عن أبيه، عن جده أن أصحاب النبى عليه السلام قالوا‏.‏‏.‏‏.‏

وإنما أدخلهم النبى عليه السلام عشرة عشرة- والله أعلم- ولم يجمعهم كلهم على الأكل لأنها كانت قصعة واحدة فيها مد من شعير ولايمكن مثل هذه الجماعو الكثيرة أن يقدروا على التناول من هذا المقدار القليل، فجعلهم عليه السلام عشرة عشرة ليتمكنوا من الأكل، ولاؤذى بعضهم بعضًا فى التزاحم على الطعام، وليس فى الحديث دليل أنه لايجوز أن يجلس على مائدة أكثر من عشرة كما ظن من لم ينعم النظر فى ذلك لأن أصحاب النبى عليه السلام قد أكلوا فى الولائم مجتمعين‏.‏

وفيه علامة النبوة لأن الطعام كان مدًا من شعير وأكل منه أربعون رجلا ببركة النبوة المعصومة، ثم أكل منه النبى بعد ذلك وبقى الطعام على حاله، وهذا من أعظم البراهين وأكبر المعجزات‏.‏

وقال ابن السكيت‏:‏ الخطيفة‏:‏ الدقيق يذر على اللبن ثم يطبخ فيلعقه الناس‏.‏

باب‏:‏ ما يكره من أكل الثوم والبصل

فيه ابن عمر عن النبى عليه السلام - وفيه‏:‏ أَنَس، قيل لَهُ‏:‏ مَا سَمِعْتَ من النَّبِى عليه السلام يَقُولُ فِى الثُّومِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ ‏(‏مَنْ أَكَلَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِرَ، قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا‏)‏‏.‏

وقد تقدمت هذا فى كتاب الصلاة‏.‏

باب‏:‏ الكباث

وهو ورق الأراك - فيه‏:‏ جَابِر، كُنَّا مَعَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِى الْكَبَاثَ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَيْطَبُ‏)‏، فقيل‏:‏ أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏(‏نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِىٍّ إِلا رَعَاهَا‏)‏‏؟‏‏.‏

الكباث ثمر الأراك الغض منه خاصة، والبرير ثمر الأراك الرطب منه واليابس، وكان هذا فى أول الإسلام عند عدم الأقوات؛ فإذا قد أغنى الله عباده بالحنطة والحبوب الكثيرة وسعة الرزق فلا حاجة بهم إلى ثمر الأراك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏أيطب‏)‏ بمعنى أطيب وهما لغتان بمعنى واحد، ذكره أهل اللغة كما يقال‏:‏ جذب وجبذ‏.‏

باب‏:‏ المضمضة بعد الطعام

- فيه‏:‏ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ، خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعَا بِطَعَامٍ، فَمَا أُتِىَ إِلا بِسَوِيقٍ، فَأَكَلْنَا، فَقَامَ إِلَى الصَّلاةِ، فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا‏.‏

المضمضة بعد الطعام سنة مؤكدة، وكان النبى عليه السلام يواظب على فعل ذلك ويحض أمته على تنظيف أفواههم وتطيبها لأنها طرق القرآن، ولذلك قال أبو هريرة‏:‏ ‏(‏لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك عند كل صلاة‏)‏‏.‏

فالمضمضة بالماء بعد الطعام من أجل الصلاة ومن أجل مباشرة كلام الناس أيضًا تغنى عن السواك، ولا شىء أنظف من الماء، وبه أمر الله أن يطهر كل شىء‏.‏

وقد روى عن النبى فى وضوء اليدين قبل الطعام وبعده بركة‏.‏

رواه أبو داود حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا قيس، عن أبى هاشم، عن زاذان، عن سليمان عن النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وليس ذلك بواجب لأن النبى عليه السلام قد أكل لما خرج من البراز قبل أن يغسل يديه‏.‏

رواه أبو داود من حيدث ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وأنكر مالك غسل اليدين قبل الطعام، وقال إنه من فعل الأعاجم، وبه قال الثورى‏.‏

وقال البهرى‏:‏ لا نحفظ ذلك عن النبى ولا عن أصحابه‏.‏

باب‏:‏ لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، أَنَّ النَّبِى صلى الله عليه وسلم، قَالَ‏:‏ ‏(‏إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا‏)‏‏.‏

قد جاء معنى هذا الحديث فى حديث آخر، روى ابن وهب عن عياض بن عبد الله القرشى وابن لهيعة، عن أبى الزبير، عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏لا يمسح أحدكم يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لايدرى فى أى الطعام يبارك له فيه‏)‏‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ فى حديث ابن عباس إباحة مسح اليد بالمنديل، وترجم له أبو داود باب المنديل بعد الطعام‏.‏

باب‏:‏ المنديل

- فيه‏:‏ جَابِر، أَنَّهُ سَئُل عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَقَالَ‏:‏ لا، قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِى عليه السلام لا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلا قَلِيلا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّى وَلا نَتَوَضَّأُ‏.‏

قال ابن وهب‏:‏ سئل مالك عن الحديث الذى جاء من باب فى يده غمر فلا يلومن إلا نفسه‏.‏

فقال مالك‏:‏ لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أنه كان يقال‏:‏ منديل عمر بطن قدميه، وما كان هذا إلا شيئًا حديثًا، والحديث الذى لم يعرفه مالك رواه أبو داود قال‏:‏ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏من نام وفى يده غمر لم يغسله فأصابه شىء فلا يلومن إلا نفسه‏)‏‏.‏

ورواه الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة‏.‏

وقيل لمالك‏:‏ أيغسل يده بالدقيق‏؟‏ قال‏:‏ غيره أعجب إلى منه، ولو فعل لم أر به بأسًا، قد تمندل عمر بباطن قدمه‏.‏

وروى ابن وهب فى الجلباب وشبه ذلك‏:‏ أنه لابأس أن يتوضأ به، ويتلك به فى الحمام، وقد يدهن جسده بالزيت والسمن من الشقاق، وروى أنه سئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول قال‏:‏ لا علم به، ولم يتوضأ به‏؟‏ إن أعياه شىء فليتوضأ بالتراب‏.‏

باب‏:‏ ما يقول إذا فرغ من طعامه

- فيه‏:‏ أَبُو أُمَامَة، أَنَّ النَّبِى عليه السلام كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ، قَالَ‏:‏ ‏(‏الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِى وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا‏)‏‏.‏

- قَالَ أَبُو أُمَامَةَ مَرَّةً‏:‏ كَانَ النَّبِى عليه السلام إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ، قَالَ‏:‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى كَفَانَا، وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِى وَلا مَكْفُورٍ‏.‏

وقال مَرَّةً‏:‏ ‏(‏لك الْحَمْدُ رَبِّنَا غَيْرَ مَكْفِىٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ‏)‏‏.‏

أهل العلم يستحبون حمد الله عند تمام الأكل والأخذ بهذا الحديث وشبهه، فقد روى عن النبى عليه السلام فى ذلك أنواع من الحمد والشكر كان يقول إذا فرغ من طعامه، وقد روى عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏(‏من سمى الله على أول طعامه وحمده إذا فرغ منه لم يسئل عن نعيمه‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏غير مكفى‏)‏ يحتمل أن يكون من قولهم‏:‏ كفأت اإناء فيكون معناه‏:‏ غير مردود عليه إنعامه وإفضاله إذا فضل الطعام على الشبع، فكأنه قال‏:‏ ليست تلك الفضيلة مردودة ولامهجروة، ويحتمل أن يكون معناه أن الله غير مكفى رزق عباده، أى ليس أحد يرزقهم غيره، الا ترى أن فى بعض الأسانيد مستغنى عنه ربنا، فيكون هو قد كفى رزقهم، والله أعلم‏.‏

باب‏:‏ الأكل مع الخادم

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِى حَرَّهُ وَعِلاجَهُ‏)‏‏.‏

الأكل مع الخادم من التواضع والتذلل وترك التكبر، وذلك من آداب المؤمنين وأخلاق المرسلين، وقد تقدم فى كتاب العتق‏.‏

باب‏:‏ الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر

والرجل يدعى إلى الطعام فيقول‏:‏ وهذا معي‏.‏

وَقَالَ أَنَسٌ‏:‏ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لا يُتَّهَمُ، فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ‏.‏

- فيه‏:‏ أَبُو مَسْعُود، قَالَ‏:‏ أن أَبَا شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلامٌ، فَأَتَى النَّبِى صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِى أَصْحَابِهِ، فَعَرَفَ الْجُوعَ فِى وَجْهِه،، فَقَالَ لغُلامهُ‏:‏ اصْنَعْ لِنا طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً لَعَلِّى أَدْعُو فَأَتَاهُم، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال المؤلف‏:‏ لم يذكر البخارى حديثا فى الطاعم الشاكر، وذكر ابن المنذر قال فى حديث سنان بن سنة أن النبى عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر‏)‏ ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن رجل من غفار أنه سمع سعيد المقبرى يحدث عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذا من عظيم تفضل الله على عباده، أن جعل للطاعم إذا شكر لله على طعامه وشرباه ثواب الصائم الصابر‏.‏

ومعنى الحديث- والله أعلم- التنبيه على لزوم الشكر لله تعالى على جميع نعمه، صغيرها وكبيرها، فكما الحق عليه السلام الطاعم الشاكر بالصائم الصابر فى الثواب، دل على أنه تعالى كذلك يفعل فى شكر سائر النعم؛ لأنها كلها من عند الله تعالى لاصنع فى شىء منها للمخلوقين فهو المبتدىء بها والمللهم للشكر عليها والمثيب على ذلك، فينبغى للمؤمن لزوم الشكر لربه فى جميع حركاته وسكونه وعند كل نفس وكل طرفة، وليعلم العبد تحت ماهو من نعم مولاه ولايفتر لسانه عن شكرها، فتستديم النعم والعافية، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لئن شكرتم لأزيدنكم‏)‏ وروى معمر عن قتادة والحسن، قالا‏:‏ ‏(‏عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض فقال‏:‏ أى رب، هلا سويت بينهم؛ فقال‏:‏ إنى أحب أن أشكر‏)‏‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فهل يسمى الحامد لله على نعمة شاكرًا‏؟‏ قيل‏:‏ نعم؛ روى معمر، عن قتادة، عن ابن عمر أن النبى عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏الحمد رأس الشكر، وماشكر الله عبد لا يحمده‏)‏‏.‏

وقال الحسن‏:‏ ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها؛ إلا كان حمده أعظم منها كائنة ماكانت‏.‏

وقال النخعى‏:‏ شكر الطعام أن تسمى إذا أكلت، وتحمد إذا فرغت‏.‏

وقد تقدم فى البيوع فى باب مايل فى اللحام والجزار

باب‏:‏ إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه

وقد تقدم فى كتاب الصلاة‏.‏

باب‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا طعمتم فانتشروا‏}‏

- فيه‏:‏ أَنَس، قَالَ‏:‏ أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ‏.‏‏.‏‏.‏

وذكر الحديث‏.‏

وجلوس الرجال فى بيته عليه السلام بعد ما طعموا، وبعد قيامه ورجوعه ثلاث مرات إلى آخر الحديث‏.‏

قال المؤلف‏:‏ بين الله تعالى فى آخر هذه الآية معنى هذا الحديث وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحيي من الحق‏)‏‏.‏

وأذى النبي حرام على جميع أمته وكذلك أذى المؤمنين بعضهم لبعض حرام‏.‏

وفيه من الفقه أن من أطال الجلوس فى بيت غيره حتى أضر بصاحب المنزل أنه مباح له أن يقوم عنه أو يخبره أن له حاجة إلى قيامه لكى يقوم وليس ذلك من سوء الأدب، وقد تقدم هذا فى كتاب الإستئذان فى باب من قام من مجلسه ولم يستأذن وتهيأ للقيام ليقوم الناس‏.‏